السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي

48

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل

المراد من التّعبّد بالظّنّ في كلّ من المقامين كونه واجب العمل بان يحكم بوجوب ما قام الظّنّ على وجوبه واستحباب ما قام على استحبابه وليس المراد مجرّد جواز العمل به كما لا يخفى فيكون التّعبير بالجواز في بعض عبارات القوم نظير التّعبير به في مقام اثبات مشروعيّة عبادة كما في بعض مسائل الحيض ونحوه فيراد به الوجوب فالجواز في مقابلة الحرمة فيصدق على الوجوب [ المقام الأول هو امكان التعبد بالظن عقلا ] قوله فاعلم انّ المعروف هو امكانه اه أقول المخالف هو ابن قبة من الموافقين وجماعة من المخالفين وعليه الجبائي قوله ويظهر من الدّليل المحكى اه أقول هذا الاستظهار انّما يتمّ بالنّسبة إلى ثاني الوجهين لا اوّلهما كما ستعرف وابن قبة هو عبد الرّحمن بن قبة من قدماء أصحابنا واختلفوا في ضبط قبة فعن النّجاشى والخلاصة انّها بكسر القاف وفتح الباء الموحّدة المخفّفة وفي منتهى المقال انّ المعروف والمتداول في الألسن في ترجمته قبة بضمّ القاف وتشديد الباء قوله فانّه استدلّ على مذهبه اه أقول المعروف عنه وعمّن حذا حذوه في مقام الاستدلال هو هذان الوجهان واستدلّ عليه بوجوه أخر نقلها العلّامة ره في النّهاية منها انّه لو جاز التّعبّد به في الفروع لجاز التّعبّد به في الأصول الاعتقاديّة أيضا ومنها انّه لو جاز في الأخبار لجاز في القرآن أيضا مع انّهم اشترطوا ثبوته بالتواتر ومنها انّه لو جاز لجاز في الاخبار المتعارضة أيضا وبطلان اللّازم ظاهر ومنها ما عن المرتضى ره من انّه يلزم عليه صيرورة المصلحة مفسدة وبالعكس وهو ناظر إلى ثاني وجهي المتن وضعف الكلّ اظهر من أن يحتاج إلى البيان قوله الثّانى انّ العمل به موجب اه أقول يحتمل ان يريد به الامتناع الذّاتى لاستلزامه اجتماع الحلّيّة والحرمة أو انقلاب إحداهما بالأخرى وان أريد به لزوم القبيح وهو نقض الفرض قوله إذ لا يؤمن ان يكون ما اخبر اه أقول أورد عليه بانّ غاية ذلك جواز تحليل ما يحتمل ان يكون حراما وبالعكس إذ اللّازم جواز كذب المخبر لا وجوبه والمعلّق على الجائز جائز لا واجب كما هو المدّعى وأجيب عنه بانّ جواز تحليل محتمل الحرمة يستلزم جواز تحليل الحرام أيضا إذ لو لم يجز لما جاز الّا تحليل الحلال لعدم الواسطة في الواقع وحليّة هذا غير معلومة فيجب ان يكون تحليل الحرام أيضا جائزا حتّى يجوز تحليل ذلك وفيه انّ ما لا يجوز تحليله هو الحرام المعلوم وامّا الحرام المحتمل فيجوز تحليله من جهة عدم تيقّن المانع فعدم الواسطة مم فالأولى ان يجاب عنه بانّ اللّازم من جواز الكذب جواز تحليل الحرام وبالعكس كما انّ اللّازم من تحقّقه نفس التّحليل والتّحريم وليس اللّازم منه ما ذكره كما لا يخفى على المتامّل وقد يوجه هذا الاستدلال بانّ للمحرمات مثلا قبحا ذاتيّا فربّما يحرم شيء لكونه سمّا مثلا ولا يزول مثل هذه المفسدة بالجهل فبعد تجويز العمل بالخير أو غيره من الظّنون لا يؤمن عن الوقوع فيها فتجويز العمل به مظنّة الوقوع في الهلكة ثمّ يرد بانّا نرى بالعيان انّ الشّارع الحكيم جوز لنا اخذ اللّحم عن أسواق المسلمين وان لم نعلم انّه مذكّى وكذلك رفع المؤاخذة عن الجاهل والنّاسى وغيرهما فيتدارك هذا النّقص من شيء آخر وفيه مع عدم افادته المدّعى من ثبوت التّحليل والإباحة لانّ التّجويز ورفع المؤاخذة عن الجاهل أو النّاسى مثلا انّما هو لقبح تكليفهما فعلا ومؤاخذتهما على ارتكاب المحظور جهلا أو نسيانا انّ الأمر الّذى يتدارك منه النّقص ان كان بحيث يقاوم المفسدة ويزيل سببيّتها للحرمة فليكن في حقّ العالم أيضا وإلّا فلا يجدى في الجاهل أيضا قوله واستدل المشهور اه أقول قد يستدلّ على الإمكان بالوقوع في الموضوعات الصّرفة حتّى عند الأخباريّين وكذا الموضوعات المستنبطة كمباحث الألفاظ وكذا مثل التّقليد من الأحكام قوله إذ القطع بعدم لزوم المحال أقول هذا مأخوذ من كلام صاحب الفصول ره حيث قال والتّحقيق ان القائلين بالجواز ان أرادوا به الجواز بمعنى عدم حكم العقل فيه بالامتناع والقبح الواقعيين كما يظهر من احتجاجهم عليه بالضّرورة فالحقّ هو الجواز والمستند ما ذكروه وان أرادوا به الجواز الواقعي بمعنى انّ العقل يحكم بانّه لا قبح في العمل به واقعا وانه لا يمتنع منه تعالى بمقتضى الحكمة ان يكلّفنا بالعمل به كما يظهر عن بعض المعاصرين فالحق بطلان القول بالجواز كالقول بالامتناع إذ ليس العمل بخبر الواحد ممّا يدرك العقل جهاته الواقعيّة حتّى يحكم فيه بجواز أو امتناع إلى آخر ما قال ممّا للنّظر فيه مجال قوله فالأولى ان يقرّر هكذا اه أقول مرادهم من الامكان في المقام يحتمل وجوها ثلاثة كما احتمله الفاضل المتقدّم مجرّد نفى الامتناع والإمكان العقلىّ الواقعىّ الذّاتى المقابل للامتناع والوجوب والامكان الظّاهرى بمعنى اجراء احكام الإمكان وظاهر كلماتهم في العنوان هو الثّانى وهذا التقرير يفيد الأوّل وهو مؤدى القاعدة المستندة إلى العقلاء الموروثة عن الشّيخ الرّئيس وغيره من الحكماء من انّ كلّ ما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان حتّى يضاده قائم البرهان فانّ معناها انّ ما لا دليل على امتناعه لا ينبغي ان ينكر بل يترك في بقعة الامكان العقلي الّذى مرجعه الاحتمال لا انّه يعتقد امكانه الذّاتى كيف وقد ذكر الشّيخ الرّئيس في كتبه انّ من تعود ان يصدق من غير دليل فقد انسلخ عن فطرة الانسانية مع انّها لو حملت على إرادة الإمكان الذّاتى فالمراد من الأصل في عباراتهم حيث يقولون انّ الأصل فيما لا دليل على امتناعه ووجوبه الإمكان ان كان هو الكثير الرّاجح فكون أكثر ما لم يقم دليل على استحالته ووجوبه ممكنا غير ظاهر وان كان هو ما لا يضار عنه الا بدليل وهو المعبّر عنه بالاستصحاب فهو باطل مضافا إلى بعده عن مذاق أرباب المعقول وذلك لأنّ الوجوب والإمكان والامتناع ليس شيء منها أصلا بهذا المعنى فما لم يقم دليل على انّ الشّيء من اىّ قسم لم يعلم حاله وممّا قرّرناه تعلم انّ التّمسّك بهذه القاعدة في المقام لو أريد الإمكان الواقعي في العنوان ممّا لا وجه له كالتّمسّك بها في مقامات أخر من هذا القبيل كمسألة امكان الاشتراك كما صدر عن بعض من قارب عصرنا وأضعف من ذلك إرادة الإمكان الظّاهرى في المقام والقاعدة سيّما في الأخير بالنّظر إلى كمال بعده عن مذاق الموروث عنهم ولعلّ بعض ما ذكرنا حدا بعض أفاضل العصر على تقرير الدّليل بوجه ثالث وهو انّا إذا راجعنا إلى عقولنا ولم ندرك وجه امتناع شيء حكم عقولنا بانّه ممكن لا محالة إذ لا يخطى جميع العقول